افتتاح الجلسة التاريخية الأولى للبرلمان الكازاخستاني: توكاييف ينتفد دور مجلس الأمن في حل الصراعات الدولية ويحدد معالم المرحلة المقبلة
أستانا – بدأ البرلمان الكازاخستاني الجديد «الكورولتاي» جلسته التاريخية الأولى في تاريخ البلاد، فيما أكد الرئيس قاسم جومارت توكاييف، خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية، إجراء الانتخابات الرئاسية المقبل عام 2029، وأن بلاده تعيش مرحلة مفصلية في مسيرتها التنموية وتحولها السياسي وتفتح صفحة جديدة في تاريخها الوطني، مشددا على أن كازاخستان تحافظ على مكانتها وسمعتها الدولية رغم الاضطرابات العالمية، وقال أن بلاده ستواصل الدفاع عن مصالحها الوطنية من خلال انتهاج سياسة تقوم على السلام والصداقة والشراكات القائمة على المنفعة المتبادلة، ومنتقداً دور مجلس الأمن الدولي وقال:”إنه لا يضطلع بمهمته على النحو المطلوب للحفاظ على السلام والاستقرار والأمن في العالم”.
ماذا سيحدث بعد الانتخابات؟
تتمثل الخطوة الأولى في انتقال الحكومة إلى المرحلة الجديدة من العمل وفق الترتيبات الدستورية المستحدثة. وبعد النشر الرسمي للنتائج، تضع الحكومة القائمة صلاحياتها أمام «الكورولتاي» المنتخب حديثاً، إيذاناً ببدء المرحلة التالية من الانتقال المؤسسي.
اقرا ايضا: شركة شفرة للذكاء الاصطناعي توسع نطاق فرقها المستقلة من دول الخليج الي بحر قزوين
سيُجري الرئيس توكاييف مشاورات مع الكتل البرلمانية الممثلة في «الكورولتاي» قبل طرح مرشح لمنصب رئيس الوزراء. وبعد تعيينه، سيكون أمام رئيس الوزراء 10 أيام لتقديم مقترحات بشأن هيكل الحكومة وتشكيلتها. وستكون هذه العملية أول اختبار عملي لطبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الرئيس والبرلمان والسلطة التنفيذية في ظل النظام الدستوري الجديد.
من الحملات الانتخابية إلى العمل البرلماني
وبالنسبة إلى الأحزاب الخمسة التي تجاوزت العتبة الانتخابية ودخلت البرلمان، تبدأ الآن مرحلة مختلفة تماماً عن مرحلة الحملات الانتخابية، فقد ركزت برامج الأحزاب خلال الحملة على مجموعة واسعة من الملفات، من التنمية الاقتصادية والحماية الاجتماعية والتعليم والزراعة والتنمية الإقليمية إلى التحول الرقمي وريادة الأعمال والبيئة.
وسيكون على «الكورولتاي» الجديد تحويل هذه الأولويات إلى مبادرات تشريعية ومقترحات عملية، فيما سيكون التحدي أمام الأحزاب هو الانتقال من المنافسة الانتخابية إلى ممارسة العمل البرلماني والتواصل المستمر مع المواطنين.
وبالتالي، لم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بالأحزاب التي فازت بالمقاعد، وإنما بكيفية استخدام هذه الأحزاب لتفويضها الانتخابي ومدى قدرتها على الاستجابة لتطلعات الناخبين التي ظهرت خلال الحملة.
علاقة مؤسسية جديدة
يمثل إنشاء «الكورولتاي» تغييراً جوهرياً في هيكل البرلمان الكازاخستاني، إذ يحل المجلس الجديد أحادي الغرفة محل البرلمان السابق بغرفتيه، مجلس الشيوخ والمجلس (المَجِلس)، ليصبح أحد الركائز الأساسية للإصلاحات الدستورية التي شهدتها البلاد خلال عام 2026.
كما تفرض هذه المرحلة صياغة علاقة جديدة بين البرلمان والرئاسة والحكومة. ومن ثم، ستكون الأشهر الأولى من عمل «الكورولتاي» مؤشراً مهماً على كيفية توزيع المسؤوليات وممارسة الصلاحيات بين هذه المؤسسات في ظل الدستور الجديد.
المراقبون الدوليون يتابعون المرحلة المقبلة
حظيت الانتخابات باهتمام ومتابعة من بعثات مراقبة دولية وإقليمية، وقالت منظمة الدول التركية إن مراقبيها زاروا 32 مركز اقتراع خلال يوم الانتخابات، ولم يرصدوا مخالفات أو تدخلاً في عمل اللجان، ووصفت البعثة عملية التصويت بأنها اتسمت بالانفتاح والشفافية، مع توفير الظروف اللازمة أمام المواطنين للتعبير بحرية عن إرادتهم. كما أشاد مراقبون من الجمعية البرلمانية للدول التركية بالإجراءات الرامية إلى تسهيل مشاركة النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة في العملية الانتخابية.
وفي المقابل، قدم مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا تقييماً أكثر تحفظاً للبيئة السياسية، مشيراً إلى الحاجة إلى مزيد من التعددية السياسية.
ومن المرجح أن يستمر هذا النقاش الدولي مع بدء «الكورولتاي» ممارسة مهامه وتبلور طبيعة الحياة السياسية في المرحلة الجديدة.
مرحلة جديدة من التحول السياسي
ويأتي إنشاء «الكورولتاي» في ختام مسار إصلاحي بدأ بمقترحات لإعادة هيكلة البرلمان عام 2025، وانتهى باعتماد دستور جديد عام 2026.
وأدت الإصلاحات إلى إنهاء نموذج البرلمان ذي الغرفتين وإنشاء إطار مؤسسي جديد للنظام السياسي في البلاد. وفي أعقاب ذلك، أقر البرلمان سبعة قوانين دستورية لتوفير الأساس القانوني للمؤسسات الجديدة، بما في ذلك التشريعات المتعلقة بالرئاسة و«الكورولتاي» ومجلس الشعب، إلى جانب تعديلات مرتبطة بالنظام الانتخابي والأحزاب السياسية.
وبذلك، لم تكن انتخابات 23 أغسطس/آب مجرد انتخابات لاختيار برلمان جديد، وإنما شكلت أول خطوة انتخابية لتطبيق الهيكل الدستوري الجديد على أرض الواقع.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
ستحدد الأسابيع المقبلة مدى قدرة المؤسسات السياسية الجديدة في كازاخستان على العمل بكفاءة.
وتتمثل الأولويات المباشرة في انعقاد أول جلسة للكورولتاي، واستكمال إجراءات انتقال الحكومة، وتعيين رئيس الوزراء، وتحديد طبيعة العلاقة العملية بين السلطة التشريعية والتنفيذية.
توكاييف وحديث شامل
وحول الأهمية التاريخية لبدء عمل المؤسسة التشريعية الجديدة أحادية الغرفة في البلاد، قال الرئيس توكاييف:” إن كازاخستان تدخل مرحلة مفصلية في مسيرتها التنموية وتفتح صفحة جديدة في تاريخها الوطني، مشيراً إلى أن المؤسسة التشريعية الجديدة، «الكورولتاي»، بدأت عملها رسمياً بموجب الدستور الجديد الذي أقره الشعب الكازاخستاني خلال الاستفتاء الوطني يوم 23 أغسطس الحالي.
وأكد الرئيس أن 28 أغسطس يمثل بداية مرحلة تجديد النظام السياسي في كازاخستان، واستعرض الدور التاريخي لمجالس «الكورولتاي» التي كانت تشكل في الماضي ساحات لمناقشة القضايا الأساسية المتعلقة بحياة الدولة واتخاذ القرارات بصورة جماعية، وقال إن «الكورولتاي» في المرحلة الجديدة سيؤدي دوراً خاصاً في تحديث منظومة الحكم وإعطاء دفعة قوية لعمل جهاز الدولة بأكمله.
وخاطب الرئيس أعضاء الدورة الأولى من «الكورولتاي»، مؤكداً أن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم كبيرة، ومعرباً عن ثقته بأن النواب سيعملون بما يخدم مصالح الأمة، وسيكونون على قدر الثقة التي منحهم إياها الشعب.
وأكد الرئيس توكاييف أن كازاخستان تحافظ على مكانتها وسمعتها الدولية رغم الظروف العالمية المعقدة وغير المتوقعة، وقال:” إن الوضع الدولي الراهن يتسم بدرجة كبيرة من عدم القدرة على التنبؤ، في ظل الاضطرابات العالمية وتراجع مستوى الثقة المتبادلة بين الدول”، وأشار إلى أن القوى العالمية الكبرى التي تتمتع بتأثير كبير في السياسة الدولية تصغي إلى موقف كازاخستان.
وأكد توكاييف أن بلاده ستواصل الدفاع عن مصالحها الوطنية من خلال انتهاج سياسة تقوم على السلام والصداقة والشراكات القائمة على المنفعة المتبادلة، وقال:” إن الإنجازات التي حققتها كازاخستان أصبحت ممكنة بفضل تضامن الشعب ووحدته”.
ودعا المواطنين إلى مواصلة التقدم بثقة، بعيداً عن الخلافات الداخلية واللامبالاة تجاه القضايا العامة، مشدداً على أهمية الإيمان بقدراتهم الذاتية والعمل الجاد من أجل مستقبل البلاد.
انتقاد دور مجلس الأمن
وحذر الرئيس توكاييف من اضطرابات عالمية متسارعة، وقال: إن العالم يمر حالياً بمرحلة من الاضطرابات واسعة النطاق وغير المتوقعة، محذراً من صعوبة التنبؤ بالمسارات التي يمكن أن تتخذها التطورات الدولية، وتكتسب الأحداث في العالم طابعاً فوضوياً وغير منظم، ومن الصعب التنبؤ بما ينتظرنا في المستقبل. ولم تبقَ دولة أو أمة واحدة بمنأى عن هذه الاضطرابات”.
وانتقد الرئيس توكاييف الدور الذي يقوم به مجلس الأمن حالياً وقال: ”مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لا يضطلع بمهمته على النحو المطلوب للحفاظ على السلام والاستقرار والأمن في العالم وفي المناطق المختلفة”، مشيراً إلى تنامي دور المنظمات الدولية والإقليمية، وتصاعد أهمية ما يُعرف بـ «القوى المتوسطة» على الساحة الدولية، وقال إن كازاخستان تندرج ضمن هذه الفئة من الدول.
وانتقل الرئيس إلى الحديث عن التطور السريع للتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن العالم لم يصل بعد إلى فهم كامل للنتائج التي يمكن أن تترتب على هذه التطورات، وقال: “من غير المعروف إلى أين ستقود هذه العملية في نهاية المطاف، وحتى النتائج الحالية تثير تقييماً متبايناً. وفي بعض الأحيان، لا يكون هذا الأمر مفهوماً بالكامل حتى بالنسبة إلى أولئك الذين يطورون هذه التقنيات”.
وأشار توكاييف إلى توقعات تفيد بأن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تصبح، في المستقبل القريب، قادرة على استبدال الأسلحة النووية من حيث تأثيرها الاستراتيجي، وأضاف: “هذا يدل على أن تطور العالم يفتقر إلى الانتظام والمنطق، وسيتعين على الأجيال القادمة أن تواجه تبعات ذلك.”


