محمد الجلاد: البنية التحتية الرقمية هي الأساس الحقيقي لتوسيع أثر الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط
أكد محمد الجلاد، الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا ومدير المبيعات العالمية للحوسبة عالية الأداء والذكاء الاصطناعي في شركة أتش بي إي، أن المؤسسات في الشرق الأوسط باتت تُدرك الأهمية الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي، وتُظهر التزامًا متزايدًا بتبنيه، مدفوعة بالمبادرات الحكومية والاستثمارات المتصاعدة في هذا المجال. وأوضح أن الشركات الكبرى والجهات الحكومية أحرزت تقدمًا ملموسًا في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي، في حين لا تزال العديد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مراحل الاستكشاف الأولى، ما يعكس تفاوتًا واضحًا في مستويات الجاهزية والنضج بين مختلف القطاعات.
وأشار إلى أن هذا التباين يكشف عن مجموعة من التحديات الأساسية التي لا تزال بحاجة إلى معالجة قبل التوسع الفعلي في استخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وفي مقدمتها نقص الكفاءات المتخصصة في مجالي الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، وتفاوت جودة البيانات وضعف إدارتها، فضلًا عن الحاجة إلى دمج هذه التقنيات بشكل أفضل ضمن العمليات التشغيلية للمؤسسات. وأضاف أن البنية التحتية الحاسوبية القابلة للتوسع، ومراكز البيانات، وأطر الحوكمة المرتبطة بالأخلاقيات والخصوصية والامتثال، لا تزال جميعها في مراحل تطوير متفاوتة، وهو ما يجعل بناء منظومة مستدامة للذكاء الاصطناعي مرهونًا بالاستثمار في القدرات البشرية، وتعزيز البنية التحتية، وتطوير استراتيجيات البيانات، وإدارة التغيير المؤسسي بشكل متكامل.
وشدد الجلاد على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يُنظر إليه بوصفه تطبيقًا منفصلًا يمكن إضافته إلى المؤسسة بشكل مستقل، بل أصبح جزءًا من منظومة رقمية أوسع، تشكل فيها البنية التحتية الرقمية الأساس الحاسم للنجاح. ولفت إلى أن الاستخدام الفعّال للذكاء الاصطناعي يعتمد على قدرات متقدمة في تخزين البيانات، واتصال عالي السرعة، وموارد حوسبة قابلة للتوسع، إلى جانب أدوات متخصصة تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن غياب هذا الأساس المتين ينعكس مباشرة على الأداء وقابلية التوسع، في حين أن وجود بنية تحتية متكاملة يسهل تدفق البيانات ودمجها بسلاسة، ويعزز الأثر المؤسسي العام للذكاء الاصطناعي.
وفي معرض حديثه عن انتقال المؤسسات من المشاريع التجريبية المحدودة إلى التطبيق المؤسسي الشامل، أوضح الجلاد أن هذه المرحلة تفرض تحديات متعددة، أبرزها توسيع نطاق إدارة البيانات بما يسمح بالتعامل مع كميات كبيرة ومتنوعة منها مع الحفاظ على الجودة والأمن، فضلًا عن الحاجة إلى دمج نماذج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة التقنية القائمة وسير العمل التشغيلي بطريقة سلسة ومستدامة. كما أكد أن نجاح هذا التحول يتطلب توافقًا على مستوى القيادات، وتعاونًا بين مختلف الإدارات، وثقافة مؤسسية منفتحة على التغيير والابتكار، إلى جانب معالجة النقص في الكفاءات ليس فقط في مجالي الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات،
بل أيضًا في مجالات الحوكمة والأخلاقيات والاستخدام المسؤول للتقنيات. ويرى أن بناء الثقة وإدارة المخاطر يرتبطان بشكل مباشر بوجود سياسات واضحة لحماية البيانات والامتثال التنظيمي، فضلًا عن قدرة المؤسسات على قياس القيمة الفعلية للأعمال من تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتبرير الاستثمارات اللاحقة فيها.
كما أبرز الجلاد الدور المحوري الذي تؤديه الحوسبة عالية الأداء في تسريع الابتكار وتعظيم القيمة المستخرجة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وقال إن التطبيقات المعتمدة على التعلم العميق ومعالجة اللغات الطبيعية ورؤية الحاسوب تحتاج إلى بنية حوسبية قادرة على معالجة وتحليل كميات ضخمة من البيانات بسرعة وكفاءة،
وهو ما توفره الحوسبة عالية الأداء من خلال تسريع تدريب النماذج وتقليص الوقت بين الفكرة والتطبيق. واعتبر أن هذه القدرة لا تعزز فقط وتيرة الابتكار، بل تمنح المؤسسات أيضًا فرصة الوصول إلى رؤى وتحليلات قد يصعب بلوغها في البيئات التقليدية. وأضاف أن القيمة الحقيقية للحوسبة عالية الأداء تظهر أيضًا في بيئات التشغيل الفعلية، حيث تحتاج تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى أداء عالٍ وزمن استجابة منخفض لمعالجة البيانات واتخاذ القرارات في الوقت الحقيقي، وهو ما ينعكس في النهاية على تحسين الكفاءة التشغيلية وتجربة العملاء وتعزيز القدرة التنافسية.
وفي سياق الحديث عن سيادة البيانات والأمن السيبراني، أكد الجلاد أن المؤسسات قادرة على تحقيق توازن واقعي بين الابتكار والتحكم في البيانات والامتثال للمتطلبات التنظيمية من خلال تبني إطار شامل لحوكمة البيانات يضع الأمن والخصوصية والامتثال في مقدمة الأولويات، مع إتاحة وصول منضبط إلى البيانات بما يدعم الابتكار. كما أشار إلى أهمية استراتيجيات السحابة الهجينة والمتعددة، وتقنيات التشفير وإخفاء الهوية، في حماية المعلومات الحساسة، إلى جانب أهمية التعاون المستمر مع الجهات التنظيمية لفهم المتطلبات المتغيرة، وتعزيز الشفافية في سياسات استخدام البيانات من أجل بناء الثقة مع أصحاب المصلحة.
وأوضح الجلاد أن أسواق الشرق الأوسط، ولا سيما منطقة الخليج، تتميز بنهج خاص في تبني الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الداعمة له، مدفوعًا بمبادرات حكومية طموحة واستثمارات كبيرة تهدف إلى تسريع التحول الرقمي في مختلف القطاعات. وأشار إلى أن التركيز الواضح على تطوير المدن الذكية، والخدمات الحكومية الرقمية، ومنظومات الابتكار، يمنح المنطقة زخمًا خاصًا مقارنة بأسواق أخرى، خصوصًا في ظل بيئة تنظيمية استباقية وخطط استراتيجية لتطوير البنية التحتية، رغم استمرار بعض التحديات مثل توطين الكفاءات ومراعاة الظروف المناخية المرتبطة بالبنية التحتية.
وحول مستقبل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المنطقة، توقع الجلاد أن تلعب البنى السحابية الهجينة والمتعددة دورًا محوريًا خلال السنوات المقبلة، بما يمكّن المؤسسات من تحقيق توازن بين المرونة وقابلية التوسع وسيادة البيانات. كما رجّح أن يشهد المشهد الإقليمي توسعًا أكبر في الحوسبة الطرفية والاتصال عالي السرعة، لدعم التطبيقات التي تتطلب معالجة فورية وزمن استجابة منخفض، مثل المدن الذكية والمركبات ذاتية القيادة وحلول إنترنت الأشياء. وأضاف أن الاستدامة وكفاءة الطاقة ستصبحان أيضًا عنصرين مؤثرين في توجيه استراتيجيات البنية التحتية،
مع تزايد الاهتمام بمراكز البيانات العاملة بمصادر الطاقة المتجددة والحلول التي ترشّد الاستهلاك وتدعم الامتثال التنظيمي والكفاءة التشغيلية على المدى الطويل. وبرأيه، فإن هذه الاتجاهات مجتمعة ترسم مستقبلًا لبنية تحتية أكثر مرونة وتوزعًا واستدامة، بما يتيح للمنطقة الاستفادة الكاملة من إمكانات الذكاء الاصطناعي مع مراعاة خصوصياتها الإقليمية.



