كيف تنقل الكهرباء دون خسارة فى قيمتها؟ العلماء يكتشفون دليل جديد
توصل علماء مؤخرًا إلى اكتشاف جديد قد يساعد في حل أحد أعقد الألغاز في فيزياء المواد، وهو فهم آلية الموصلية الفائقة عند درجات حرارة مرتفعة، فقد نجح فريق بحثي في كشف نمط مغناطيسي خفي داخل ما يُعرف بمرحلة الفجوة الكاذبة (Pseudogap)، وهي مرحلة غريبة تظهر مباشرة فوق درجة الانتقال إلى الحالة فائقة التوصيل في بعض المواد الكمّية.
ويمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو تصميم موصلات فائقة جديدة تعمل عند درجات حرارة أعلى، وهو حلم طال انتظاره في مجالات الطاقة والتقنيات المتقدمة.
ما هي مرحلة الفجوة الكاذبة ولماذا تُعد محورية؟
تُعد مرحلة الفجوة الكاذبة واحدة من أكثر المراحل غموضًا في المواد فائقة التوصيل، فهي تظهر عندما تبدأ المادة في فقدان بعض خصائصها الإلكترونية، دون أن تدخل بعد في الحالة فائقة التوصيل بالكامل.
اقرا ايضا: ليست صلبة ولا سائلة أو غازية.. مادة جديدة لإنتاج حواسيب جبارة في اختراع ثوري يقلب الفيزياء
ويرى العلماء أن فهم هذه المرحلة يُعد مفتاحًا أساسيًا لتفسير كيفية نشوء الموصلية الفائقة، خصوصًا في المواد التي تعمل عند درجات حرارة أعلى من المعتاد.
محاكاة بالذرات فائقة البرودة تكشف الترتيب المغناطيسي الخفي
لدراسة طبيعة مرحلة الفجوة الكاذبة، استخدم الباحثون محاكيًا كمّيًا يعتمد على ذرات فائقة البرودة، يعرف باسم نموذج فيرمي–هابارد (Fermi-Hubbard model)، وهو نموذج يُستخدم لمحاكاة سلوك الإلكترونات داخل المواد الصلبة.
وقام الفريق بتبريد ذرات الليثيوم إلى درجات قريبة جدًا من الصفر المطلق، ثم وضعوها داخل شبكة بلورية أنشأها ضوء الليزر، بحيث تحاكي حركة الإلكترونات وتفاعلاتها داخل المواد الكمّية الحقيقية.
مجهر غازي كمّي يرصد أكثر من 35 ألف صورة
باستخدام مجهر الغاز الكمّي، التقط الباحثون أكثر من 35 ألف صورة لذرات فردية، ما أتاح لهم قياس اتجاهات اللف المغزلي (Spin) لكل ذرة بدقة غير مسبوقة.
وأظهرت النتائج وجود نمط موحّد من الترابط بين اللفّات المغزلية مع تبريد الشبكة الذرية، وهو نمط مرتبط بدرجة حرارة مميزة تمثل لحظة ظهور مرحلة الفجوة الكاذبة.
وعند هذه النقطة تحديدًا، اكتشف الفريق نشوء ترتيب مغناطيسي مضاد للتوازي (Antiferromagnetic Order)، رغم غياب الإلكترونات في المادة، وهي حالة تُعرف علميًا باسم التطعيم أو الإضافة (Doping).
ترتيب مغناطيسي يظهر دون وجود إلكترونات
يُعد هذا الاكتشاف لافتًا، إذ أظهر أن الترتيب المغناطيسي الخفي يمكن أن يتكوّن حتى في غياب الإلكترونات، ما يشير إلى أن المغناطيسية قد تلعب دورًا أعمق وأكثر تعقيدًا في نشوء الموصلية الفائقة مما كان يُعتقد سابقًا.
ويرى الباحثون أن هذه المرحلة قد تكون حجر الأساس في تصميم مواد جديدة قادرة على تحقيق الموصلية الفائقة عند درجات حرارة أعلى من المتاحة حاليًا.
تشابه مع ظواهر غريبة في مغناطيسات “جليد اللفّ المغزلي”
تشبه هذه النتائج ظواهر غريبة لوحظت سابقًا في ما يُعرف باسم مغناطيسات جليد اللفّ المغزلي (Spin Ice)، ففي هذه المواد، تتكوّن البنية الأساسية من رباعيات ذرات مغناطيسية في شكل رباعي السطوح، لكنها تعجز عن تكوين ترتيب مغناطيسي تقليدي بسبب ما يُعرف بـ“الإحباط المغناطيسي”.
أقطاب مغناطيسية منفردة داخل المواد
في مغناطيسات جليد اللفّ المغزلي، تبيّن أن قلب اتجاه اللفّ المغزلي يمكن أن يؤدي إلى نشوء زوج من العيوب يمثلان القطبين الشمالي والجنوبي للمغناطيس، وكأنهما أقطاب مغناطيسية منفردة (Monopoles) داخل المادة.
وقد جرى رصد هذه الظاهرة فعليًا في تجارب تعتمد على تشتت النيوترونات، ما يعزز فكرة أن الظواهر المغناطيسية غير التقليدية قد تكون مفتاحًا لفهم حالات كمّية معقدة، مثل الموصلية الفائقة.
خطوة جديدة نحو حل لغز الموصلية الفائقة
توفر هذه النتائج رؤى جديدة حول العلاقة بين المغناطيسية الكمّية والموصلية الفائقة، وهو لغز حيّر العلماء لعقود، ومع التقدم في تقنيات المحاكاة الكمّية، يأمل الباحثون في الاقتراب أكثر من فهم الآليات الأساسية التي تحكم هذه الظواهر، وربما فتح الطريق أمام ثورة تقنية في مجال الطاقة والنقل والإلكترونيات.



