تحويل البيانات الرقمية إلى محرك لنمو وكلاء وموردي الحلول التقنية
لويز بو راشد، المديرة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا في شركة “مايلستون سيستمز”
يمر مشهد البيانات في منطقة الشرق الأوسط بمرحلة تحول جذري؛ فمع تسارع وتيرة بناء المدن الذكية وزيادة الترابط الرقمي بين الشركات، أصبح حجم البيانات المتولدة عن أنظمة الفيديو والعمليات التشغيلية هائلاً بجميع المقاييس.
وتُشير تقديرات شركة “بي دبليو سي” إلى أن الذكاء الاصطناعي سيضخ نحو 320 مليار دولار في اقتصاد المنطقة بحلول عام 2030، ومن المتوقع أن تحصد دولة الإمارات النصيب الأكبر من هذا الأثر، بما يمثل قرابة 14% من ناتجها المحلي الإجمالي.
بالنسبة لشركات التوريد والوساطة التقنية (شركاء القنوات) في المنطقة، تمثل هذه المرحلة لحظة فارقة؛ إذ بدأ التركيز ينتقل بوضوح من مجرد بيع المكونات المادية للأنظمة (كالكاميرات والأجهزة) إلى تقديم القيمة الاستراتيجية الكامنة في البيانات نفسها.
في الشرق الأوسط، تمثل شبكة الوكلاء والموردين والموزعين المحرك الأساسي الذي يدفع عجلة النمو الجماعي في السوق. ونظراً لاتساع حجم الفرص وتعقيدها في منطقتنا، أصبح التعاون بين جميع أطراف هذه المنظومة ضرورة حتمية؛ إذ لا يمكن لأي مؤسسة، مهما بلغت قوتها، أن تستخلص القيمة الكاملة للبيانات بمفردها.
لقد بدأ الموزعون، ومهندسو دمج النظم، ومزودو الخدمات التقنية المدارة، بتبني أدوار أكثر شمولاً؛ فلم يعد عملهم مقتصرًا على البيع، بل أصبحوا “المهندسين” الذين يربطون بين القدرات التقنية المختلفة، ويفسرون المعلومات، ويحولون البيانات الجامدة إلى رؤى عملية تخدم مصلحة العمل. إن قوة هذه المنظومة المتكاملة هي التي تمكّن الشركات اليوم من تحقيق نتائج سريعة وقيمة مستدامة في المنطقة.
أين تكمن فرص الربح الحقيقية؟
تتركز أضخم فرص النمو والربح حالياً في مجالات تحليلات الفيديو، والخدمات التقنية المدارة، وأمن البيانات الشامل. وتأتي أدوات الذكاء الاصطناعي في طليعة هذا التغيير؛ فسواء كان الأمر يتعلق بإدارة الحشود في الفعاليات الكبرى، أو تنظيم حركة المرور في المدن المزدحمة، أو تحليل سلوك المتسوقين لرفع مبيعات التجزئة، فإن الموردين والوكلاء باتوا يحولون بث الفيديو إلى “معلومات ذكية” تُبنى عليها القرارات.
كما أن خدمات “الفيديو كخدمة مدارة” (VSaaS) بدأت في تحسين الاستدامة المالية للموردين؛ حيث تتيح لهم هذه النماذج الانتقال من تذبذب مبيعات الأجهزة (التي تتم لمرة واحدة) إلى تحقيق دخل شهري مستقر ومتوقع عبر عقود الخدمة.
وفي الوقت ذاته، زاد الطلب على حلول الأمن السيبراني والالتزام بالمعايير الرقابية بشكل غير مسبوق. وبات الوكلاء الذين يساعدون المؤسسات على حماية أصولها الرقمية مع الالتزام بقوانين حوكمة البيانات “شركاء لا يمكن الاستغناء عنهم”. إن النماذج التجارية الأكثر نجاحاً اليوم هي التي تضع البرمجيات والخدمات الاستشارية في المقام الأول، قبل الأجهزة والمعدات.
قوة المنظومة التقنية المفتوحة
لا يمكن لشركة واحدة أن تستثمر كامل إمكانات البيانات في معزل عن الآخرين، ومن هنا تبرز أهمية بناء منظومة عمل متكاملة. توفر “المنصة المفتوحة” حجر الأساس الذي يسمح للوكلاء والموردين بدمج تقنيات متنوعة، مثل أجهزة إنترنت الأشياء، والخدمات السحابية، وتحليلات الذكاء الاصطناعي المتخصصة. هذه المرونة تسمح بابتكار حلول مصممة خصيصاً لمعالجة التحديات الفريدة لكل قطاع.
في هذه المنظومة، لكل طرف دور حيوي؛ الموزعون يتولون التمويل والدعم اللوجستي، ومهندسو دمج النظم يقدمون الرؤية المعمارية والخبرة الفنية، بينما يتولى مزودو الخدمات المدارة العمليات اليومية والأمن. أما شركات البرمجيات، فتقدم الابتكارات في مجال الذكاء الاصطناعي التي تضمن بقاء المنطقة في الطليعة. التعاون هو السبيل الوحيد لتلبية المتطلبات المتطورة للمؤسسات الحديثة.
التحول نحو “الاستثمار في النتائج”
بات السوق يطالب بشكل متزايد بعقود “قائمة على النتائج المحققة”. وتقود الجهات الحكومية الكبرى والشركات العملاقة في قطاعات اللوجستيات والطيران والمدن الذكية هذا التوجه؛ إذ لم يعد يهمهم عدد الكاميرات المثبتة بقدر اهتمامهم بتحقيق أهداف محددة، مثل خفض نسبة الفاقد في المخازن، أو تسريع حركة المسافرين، أو ضمان سلامة العمال.
وبينما لا تزال بعض الشركات المتوسطة تستثمر في شراء أجهزة معزولة، إلا أن التوجه العام يمضي نحو “الذكاء المتكامل”. تبحث المؤسسات اليوم عن وكلاء وموردين يلعبون دور “المستشار الموثوق”؛ أولئك الذين يمكنهم الغوص في بحر من البيانات واستخراج المعلومات التي تزيد الأرباح أو تعزز سلامة المجتمع.
إن الشرق الأوسط يمضي بخطى واثقة نحو مستقبل تعتبر فيه البيانات هي الأصل الأعلى قيمةً. ومن خلال تبني المنصات المفتوحة والتخصص في قطاعات محددة، يتجاوز الموردون والوكلاء دورهم التقليدي في بيع التكنولوجيا، ليصبحوا الممكنين الحقيقيين للمؤسسات في تحقيق نجاح ملموس وبناء اقتصاد مرن قائم على المعرفة.
مقال من لويز بو راشد، المديرة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا في شركة “مايلستون سيستمز”


