آفاق التعاون الصيني-السعودي في مجال الفضاء في العصر الجديد

يُصادف الثاني عشر من أبريل “اليوم الدولي للرحلة البشرية إلى الفضاء” الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة، إحياء لذكرى الإنجاز التاريخي الذي حققه رائد الفضاء السوفيتي يوري غاغارين، عندما أصبح أول إنسان يحلّق في الفضاء في 12 أبريل عام 1961. كما تحتفل الصين سنويًا في 24 أبريل بـ”يوم الفضاء الصيني”، إحياء لذكرى نجاح إطلاق أول قمر صناعي صيني “دونغ فانغ هونغ-1” في 24 أبريل عام 1970.
ومنذ إطلاق مبادرة البناء المشترك لـ”الحزام والطريق” بين الصين والدول العربية، يواصل قطاع الفضاء الصيني العمل على بناء “طريق الحرير الفضائي”، وتعزيز التعاون رفيع المستوى في مجال الفضاء مع الدول العربية. ومن خلال توظيف تقنيات الفضاء، ساهمت الصين في دعم التنمية الاقتصادية للدول العربية، وتحسين معيشة شعوبها، وتعزيز التقدم الاجتماعي، بما يتيح لثمار الإنجازات الفضائية الصينية أن تعود بالنفع على المواطنين العرب.
ويُعدّ التعاون الفضائي بين الصين والمملكة العربية السعودية نموذجا رائدا ومكوّنا أساسيًا في التعاون الصيني-العربي في مجال الفضاء الخارجي. ففي عام 2013، وقّعت حكومتا البلدين مذكرة تفاهم بشأن التعاون في علوم وتكنولوجيا الفضاء. ووفقا للاتفاقيات الثنائية، قامت الشركة الصينية للصناعات الفضائية (شركة سور الصين العظيم) في 21 مايو 2018، وخلال مهمة إطلاق المسبار القمري “تشانغ آه-4″، بحمل حمولة علمية للتصوير البصري القمري لصالح مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، ما شكّل دخول التعاون الصيني-السعودي رسميًا عصر الفضاء.
وفي 7 ديسمبر من العام نفسه، نجح صاروخ “لونغ مارش-2 دي” في إطلاق القمرين الصناعيين SaudiSat-5A وSaudiSat-5B إلى المدار، وهما قمران للاستشعار عن بُعد لرصد الأرض طوّرتهما المملكة بشكل مستقل، وكانا حينها أكبر قمرين من هذا النوع تطوّرهما وتطلقهما.
وبفضل الدعم الفاعل من قطاع الفضاء الصيني، تسارعت وتيرة استكشاف الفضاء في المملكة، وبدأت مرحلة جديدة من التعاون الثنائي في استكشاف القمر والفضاء السحيق. وفي السنوات الأخيرة، تم تطبيق نظام الملاحة “بيدو” على نطاق واسع في المملكة في مجالات الأراضي والزراعة والنقل، مما أسهم في تعزيز القدرات الفضائية والاقتصاد الرقمي للمملكة بشكل متزامن.
في عام 2024، تعزّز التعاون الصيني-السعودي في مجال الفضاء بشكل أكبر، حيث وقّعت شركة ASPACE، التابعة لمجموعة هونغ كونغ لتكنولوجيا الفضاء، اتفاقية تعاون مهمة مع وكالة الفضاء السعودية. ووفقًا لمضمون الاتفاقية، ستقوم الشركة بإنشاء أول مشروع لتصنيع الأقمار الصناعية في العاصمة السعودية الرياض.
وسيركّز مصنع الأقمار الصناعية في المملكة على إنتاج مكونات الأقمار الصناعية والأنظمة الفرعية والأقمار الكاملة، مع الاستفادة من المزايا الجغرافية للمملكة لتعزيز القدرات الفضائية في المنطقة. والجدير بالذكر أن المملكة العربية السعودية كانت قد أطلقت بالفعل في عام 2020 برنامجًا أوليًا لأبحاث الفضاء بقيمة تصل إلى 2.1 مليار دولار، ويُبرز هذا التعاون مع الصين طموحات المملكة المتزايدة في قطاع الفضاء.
وبالإضافة إلى مشروع إنشاء مصنع الأقمار الصناعية الذي تنفذه شركة ASPACE في المملكة، تعمل مجموعة بكين للعلوم والتكنولوجيا على تنفيذ مشروع عمراني يحمل طابع استكشاف المريخ. ووفقا للخطة، يبلغ إجمالي استثمارات هذا المشروع 5 مليارات دولار، وسيُقام في جامعة الطائف. ومن المتوقع أن تصبح “مدينة المريخ” مركزا مهمًا للابتكار العلمي والتعليم المعرفي، بما يسهم في تعزيز التعاون والتبادل بين الصين والسعودية في مجال استكشاف المريخ.
كما سيوفر المشروع منصة متميزة للعلماء الشباب والطلاب للتعلم والبحث العلمي، بما يساعد على إعداد كوادر علمية مستقبلية. ومن خلال التعاون بين البلدين، يُتوقع أن تتحول مدينة المريخ إلى مركز تكنولوجي في منطقة الشرق الأوسط، يدفع عجلة الابتكار والتنمية الإقليمية.
ويرتكز التعاون الصيني-السعودي في مجال الفضاء الخارجي على مبادئ المساواة والمنفعة المتبادلة، والاستخدام السلمي، والتنمية الشاملة.
ومن خلال المواءمة بين “طريق الحرير الفضائي” الصيني و”رؤية السعودية 2030″، لا يقتصر الأمر على دعم تحقيق الاستقلال التكنولوجي وتنويع الاقتصاد في المملكة، بل يشكّل أيضا نموذجا يُحتذى به لبناء مجتمع صيني-عربي ذي مستقبل مشترك في مجال الفضاء، ويقدّم مثالًا مهمًا للدول النامية في الاستخدام السلمي للفضاء والعمل المشترك لبناء مستقبل مشترك للبشرية.
بقلم: باي يوي إعلامي صيني



