الصين والسعودية: آفاق جديدة للتعاون في مجال الروبوتات والذكاء التجسيدي
بقلم: باي يوي إعلامي صيني
افتتح يوم الأربعاء المؤتمر العالمي للروبوتات 2026 في العاصمة الصينية بكين، بمشاركة نحو 1200 شركة عرضت أكثر من 3000 منتج ابتكاري. ومن أبرز السمات التي ميزت دورة هذا العام أن نقطة التحول في عملية تسويق الذكاء التجسيدي وتطبيقه على نطاق واسع، وانتقاله من المختبرات إلى مختلف القطاعات، أصبحت واضحة للعيان. فمن نظام الفرز الآلي بالكامل في المستودعات الأمامية، الذي طورته شركة Galaxea بالتعاون مع شركة JD، إلى روبوتات شرطة المرور الذكية التي طورتها Aimoga-robot وتم نشرها في عشر مدن، وصولا إلى التوسع المتعمق لشركة شنغهاي شيشي للتكنولوجيا الذكية في تطبيقات الروبوتات في مجالي تصنيع الأغذية والفنادق، تعمل صناعة الروبوتات الصينية، وفق نهج واضح يقوم على “التطبيق أولا والتنفيذ العملي”، على بناء منظومة متكاملة تمتد من المكونات الأساسية إلى الحلول المخصصة لمختلف القطاعات.
وفي الوقت نفسه، وعلى بُعد آلاف الكيلومترات في شبه الجزيرة العربية، تتسارع وتيرة تطوير الذكاء التجسيدي والتحول الرقمي في المملكة العربية السعودية في إطار “رؤية السعودية 2030”. ومع استمرار بروز التكامل بين البلدين واتساع آفاق التعاون في هذا المجال، أصبح قطاع الروبوتات والذكاء التجسيدي نقطة نمو جديدة في التعاون الصيني السعودي عالي الجودة في إطار البناء المشترك لمبادرة “الحزام والطريق”.
وتتمثل إحدى أبرز نقاط القوة التنافسية للذكاء التجسيدي الصيني أولا في عمق وسرعة الانتقال إلى التطبيقات العملية. وعلى خلاف بعض الشركات الغربية التي تركز بدرجة أكبر على العروض التقنية في المختبرات، تتبنى شركات الروبوتات الصينية عموما نهجا يقوم على تطوير القدرات وتحسينها من خلال التطبيقات في بيئات واقعية.
وخلال المؤتمر، لفت الحل الذي عرضته شركة Galaxea لعمليات التقاط المنتجات وتعبئتها في المستودعات الأمامية الانتباه بشكل خاص. إذ يستطيع الروبوت تنفيذ العملية بأكملها بصورة مستقلة، بدءًا من استلام الطلب واختيار المنتجات وتحديد المسار، وصولا إلى فتح الأكياس ووضع المنتجات فيها وتغليفها، متغلبا على صعوبة التعامل مع الأكياس البلاستيكية المرنة. وتبلغ قدرته الإنتاجية خلال ثماني ساعات نحو 100 طلب، ومن المقرر إدماجه قريبًا في منظومة الخدمات اللوجستية لشركة JD .
كما أطلقت شركة Aimoga-robot روبوتا ذكيا لشرطة المرور، وقد تم بالفعل نشر نحو 100 روبوت في عشر مدن، من بينها مدينة ووهو، حيث يتولى مهام تشمل التوعية بالقوانين والأنظمة، وتنظيم حركة المرور، ورصد المخالفات المرورية التي ترتكبها المركبات غير الآلية، بما يسهم بفعالية في سد بعض الثغرات في منظومة المراقبة الذكية لحركة المرور.
إن هذه القدرة على تحقيق تطبيقات “قابلة للاستخدام الفعلي، وقابلة للحساب من حيث التكلفة، وقابلة للقياس من حيث خفض التكاليف وزيادة الكفاءة”، تمثل تحديدا القيمة التي تحتاج إليها السعودية بصورة ملحّة في مسيرة تطوير صناعاتها والارتقاء بها.
ثانيا، تتمتع الصين بمنظومة متكاملة لسلسلة صناعة الروبوتات، إلى جانب قدرة قوية على التكيف وتقديم الحلول المخصصة. إذ تستطيع شركات الروبوتات الصينية تطوير حلول تستجيب بسرعة لاحتياجات القطاعات المختلفة في الأسواق المستهدفة. وقد تأكدت هذه الميزة من خلال عدد من المشاريع الفعلية في المملكة العربية السعودية. ففي يوليو 2026، وقّعت شركة Yifei Robotphoenix اتفاقية تعاون استراتيجي مع شركة Swarm Robotics السعودية الرائدة، لتوفير روبوتات SCARA، وروبوتات Delta المتوازية، وحلول متكاملة لخطوط الفرز المرنة، بينما يتولى الشريك السعودي مسؤولية تطوير السوق المحلية وتقديم خدمات التشغيل والصيانة، بما أرسى نموذجًا جديدًا للتعاون يقوم على “التكنولوجيا الصينية + التشغيل المحلي السعودي”.
وفي وقت سابق، دخلت 308 روبوتات تنظيف ذكية من شركة SolarLIT الخدمة في مشروع لتوليد الطاقة الكهروضوئية في جدة، وحققت معدل تنظيف تجاوز 99.5%، كما تستطيع العمل ليلًا دون تدخل بشري، بما يتلاءم بصورة مثالية مع بيئة المملكة التي تتميز بأشعة الشمس القوية وكثرة الغبار والعواصف الرملية. كما دخلت روبوتات التفتيش الرباعية العجلات والروبوتات ذات العجلات المقاومة للانفجار التابعة لشركةSevnce إلى منشآت بتروكيماوية في السعودية، حيث تحل محل العاملين في تنفيذ مهام التفتيش في البيئات عالية الخطورة، بما يعزز مستويات السلامة والكفاءة.
وفيما يتعلق بالموانئ الذكية والنقل الذكي، قامت مجموعة ميناء تيانجين بتصدير روبوتات نقل ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي وأنظمة التحكم المرافقة لها إلى شركة موانئ مدينة نيوم السعودية، مع الاستفادة من خبرة الموانئ الذكية الخالية من الكربون لدفع عملية التحديث الذكي لموانئ نيوم. كما سبق لشركة سينس تايم أن وقّعت مذكرة تفاهم مع المملكة العربية السعودية لدعم بناء المدن الذكية.
وأخيرا، تسعى الصين إلى جعل ثمار التطور في مجال الذكاء التجسيدي والذكاء الاصطناعي متاحة لشعوب العالم كافة. فمن تأسيس المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي إلى انتشار صادرات الروبوتات الصينية في 141 دولة ومنطقة خلال النصف الأول من هذا العام، تعكس هذه الخطوات جميعًا نهج الصين في هذا المجال، والقائم على تقاسم ثمار التنمية وتحقيق الازدهار المشترك.
والأهم من ذلك أن هذا التعاون لا يقتصر بأي حال على تصدير المنتجات بصورة أحادية الاتجاه، بل يمثل اندماجًا عميقا بين التكنولوجيا والطاقة الإنتاجية والأسواق والخدمات المحلية. فالمملكة العربية السعودية تتمتع بمزايا قوية في رأس المال وتوفر موارد غنية من حيث سيناريوهات التطبيق، بينما تمتلك الصين تراكمًا تقنيًا وخبرة واسعة في تحويل الابتكارات إلى تطبيقات صناعية على نطاق واسع. وفي إطار التوافق بين “رؤية السعودية 2030” ومبادرة “الحزام والطريق”، يمضي البلدان في الاتجاه نفسه، الأمر الذي من شأنه أن يفضي إلى إطلاق المزيد من المشاريع النموذجية.
ومن التعاون في مجال الطاقة الإنتاجية بمصفاة ينبع، إلى البناء الأخضر في مدينة البحر الأحمر الجديدة، ومن الشراكة التقليدية في قطاع الطاقة إلى التوسع الجديد في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي، تتواصل عملية إثراء مضمون التعاون الصيني السعودي. وعندما تلتقي موجة التطور التكنولوجي للذكاء التجسيدي مع الفرص التاريخية للتحول الصناعي، فإن التعاون العملي بين الصين والسعودية سيكتب بلا شك فصلا جديدا من الشراكة والتنمية المشتركة.

