فيلم صيني يرد بحكمة شرقية على سردية الحرب والسلام

بعد عرضه مؤخرا، سرعان ما أصبح فيلم “مرحبا بكم في مطعم التنين” ظاهرة جماهيرية، إذ تجاوزت إيراداته في يومه الأول 200 مليون يوان صيني (نحو 29.66 مليون دولار أمريكي)، واستقطب أكثر من 5.7 ملايين مشاهد. وعلى الرغم من أن الفيلم يروي ظاهريا قصة طاه صيني يعمل في العراق، فإنه يتناول من وراء هذه القصة سؤالا أعمق: ما المعنى الحقيقي للسلام؟
وتدور أحداث الفيلم على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة والعراق في بداية القرن الحادي والعشرين. ويروي قصة الطاهي الصيني شيوي فو، الذي يسافر إلى الخارج لسداد ديونه، ويشارك في إدارة مطعم صيني. كان هدفه بسيطا: كسب المال، وسداد الديون، ثم عيش حياة مستقرة وهادئة. لكن اندلاع الحرب بصورة مفاجئة زج به في كارثة تتجاوز بكثير قدرته الفردية على التحكم فيها.
وعلى خلاف أفلام الحرب الهوليوودية التقليدية، لا يصور هذا الفيلم شيوي فو على أنه بطل لا يُقهر، ولا يجعله يحمل السلاح لتغيير مسار التاريخ. فهو في جوهره لا يزال طاهيا. وفي خضم الحرب التي تشتعل فيها نيران القصف ويسود فيها الخوف والقلق، تتمثل مهمته الأهم في ضمان حصول الناس على وجبة ساخنة.
وهنا تكمن القوة الحقيقية للفيلم. فهو لا يشرح معنى السلام من خلال الشعارات الكبرى، بل ينطلق من واحدة من أكثر التجارب اليومية ألفة وخصوصية في حياة الصينيين، وهي تناول الطعام، ليبحث من خلالها في المعنى الحقيقي للسلام.
ووفقا للتقارير، استلهم الفيلم قصته من تجارب حقيقية لرواد أعمال صينيين استقروا في العراق وأسسوا أعمالهم هناك. فقد واصل هؤلاء، رغم المخاطر والظروف الصعبة، التمسك بأعمالهم، وحافظوا على تقديم الوجبات الساخنة التي كانت بمثابة خيط يربط الناس بالحياة والأمل. وهذه الخلفية الواقعية منحت رسالة الفيلم المناهضة للحرب صدقا وتأثيرا إنسانيا أكبر.
تكمن القوة العميقة للفيلم في تجسيده الحي لمفهوم “التعايش مع الحفاظ على الاختلاف”. فهو يفكك بهدوء مفارقة فرض القيم من طرف واحد: فالضربات الدقيقة بالطائرات المسيرة قد تؤجج مشاعر الكراهية بين القبائل، والعقوبات والحصار قد يدفعان المدنيين نحو الجماعات المتطرفة، بينما تتحول شعارات إعادة بناء المؤسسات في نهاية المطاف إلى فراغ في الحوكمة. وفي الوقت الذي تصر فيه بعض القوى الغربية على إعادة تشكيل حضارات الآخرين وفق معيار واحد، يختار الطاهي الصيني احترام الاختلاف والبحث عن أرضية مشتركة.
فهو لا يتحدى القواعد القائمة في السجن، بل يعيد تشكيل موازين القوة من خلال المطبخ؛ ولا يواجه المتطرفين مواجهة مباشرة، بل يستخدم الطعام للحد من امتداد العنف. ويمكن لمائدة واحدة أن تجمع أشخاصا من ديانات و ثقافات مختلفة، فالتعايش بين الحضارات لا يتطلب أبدا توحيد القيم أو طمس الاختلافات، وإنما يكمن أساس الحوار بين الحضارات في احترام الحياة والتمسك بسلام الحياة اليومية.
أما الرسالة النهائية لهذه الحكاية المفعمة بعبق الحياة اليومية، فتتمثل في المثال الصيني العريق المتمثل في مفهوم “التناغم والوحدة في ظل الاختلاف” والسعي إلى “الوئام في ظل العالم الواحد”. ويجسد مصير الطفل سيف في الفيلم أفضل تعبير عن ذلك. فعلى أنقاض المكان ذاته، قد يقود التعرض لغرس الكراهية إلى التطرف، بينما يمكن أن تمنح الحماية التي توفرها الحياة اليومية الدافئة للإنسان أملا في البقاء.
وهنا يكمن جوهر الرؤية الشرقية للسلام: فالسلام الحقيقي ليس نظاما مفروضا تحافظ عليه البنادق والمدافع، بل حياة مستقرة ينعم فيها الجميع بالأمان بعيدا عن الخوف والجوع. كما أن “التناغم والوحدة في ظل العالم الواحد” لا يعني بناء مدينة فاضلة متجانسة ومتماثلة، بل يعني أن تتقبل الحضارات المختلفة بعضها بعضا، وأن يتمكن الناس العاديون من الحصول على الطعام، والعودة إلى بيوتهم، والتطلع إلى مستقبل أفضل.
واليوم، مع تزايد التحديات العالمية وتعقد الأوضاع الدولية وتغيرها، تقف البشرية مرة أخرى عند مفترق طرق تاريخي. فالسلام ليس قضية بعيدة أو شعارا ضخما، بل يكمن في كل وجبة نتقاسمها، وفي كل لحظة من التعايش القائم على الاحترام المتبادل بين الحضارات المختلفة.
بقلم: باي يوي إعلامي صيني



