800 مليون عقل متصل: من يتحكم بزرّ التفكير في عصر الذكاء الاصطناعي.؟!
طارق الحوسني: “الخطر ليس أن تفكر الآلة مثل الإنسان، بل أن يتوقف الإنسان عن التفكير مثل الإنسان”
إنّ ما تشير إليه تقديرات السوق الموثوقة في مطلع عام 2026،إلى أنّ عدد مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي عالمياً، قد تجاوز بالفعل حاجز المليار مستخدم، فوحدها منصات المحادثة التوليدية تسجل أرقاماً غير مسبوقة؛ إذ تفيد تقارير نقلتها وكالات أنباء عالمية، أن إحدى أكبر المنصات تخدم نحو 800 مليون مستخدم نشط أسبوعياً، فيما تقترب منصات منافسة لها، من حاجز 750 مليون مستخدم شهرياً، لذلك فإنّ هذه الأرقام تضع الذكاء الاصطناعي في مصاف أكثر البُنى الرقمية انتشاراً في تاريخ التقنية، بوتيرة أسرع من تبنّي الإنترنت نفسه في بداياته الأولى، وإنما ما يحدث ليس ما تعكسه هذه الأرقام فقط من انتشار تقني، بل في التحوّل على مستوى مركز الثقل المعرفي العالمي.
استثمارات قياسية، وبنية تحتية لعصر جديد
يُظهر أداء السوق أنّ الاستثمار العالمي في الذكاء الاصطناعي بلغ مستويات قياسية، حيث تتوقع مؤسسات بحثية مثل IDC أن يتجاوز الإنفاق العالمي مئات المليارات من الدولارات سنوياً، وفي سباق الهيمنة، تشير تحليلات السوق إلى أن الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا الكبرى مثل Microsoft, Google, Amazon, Meta على البنية التحتية الأساسية قد يقترب من 600 مليار دولار في عام 2026، ويشمل ذلك الحوسبة السحابية، والرقائق المتخصصة، ومراكز البيانات لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي.
هذه ليست ميزانيات لتطوير تطبيقات، بل استثمارات في إعادة تشكيل “الهندسة العقلية” التي ستُدار عبرها المعرفة والأعمال وصناعة القرار، ومع تبنّي ما يقارب نصف المؤسسات العالمية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في عملياتها بشكل فعلي، وفقاً لمؤشرات بحثية من مؤسسات مثل ” IBM “، تتحوّل النماذج الذكية من أدوات مساعدة إلى طبقة تشغيل أساسية للاقتصاد العالمي.
من البحث إلى التوجيه: إعادة تعريف الوصول للمعلومة
إنّ أحد التحوّلات السلوكية اللافتة هو أنّ نسبة متزايدة من المستخدمين باتت تعتمد على الإجابات الجاهزة بدلاً من زيارة المصادر الأصلية، وتشير تحليلات حركة المستخدمين من منصات متخصصة مثل Similarweb إلى أنّ نسبة كبيرة من عمليات البحث عبر أدوات الذكاء الاصطناعي تنتهي “دون نقرة واحدة” على موقع خارجي.
هذا التحوّل يثير تساؤلات عميقة، خاصة في ظلّ استمرار ظاهرة “الهلوسة”، حيث تنتج النماذج معلومات غير دقيقة بصيغة واثقة، ورغم التحسّن الكبير، لا تزال بعض القياسات المستقلة تُظهر معدلات خطأ قد تتجاوز 15% في سيناريوهات معيّنة، فعندما يصبح مصدر المعرفة وسيطاً ذكياً ومغلقاً، فإنّ أيّ انحياز خوارزمي لا يبقى خطأً تقنياً، بل يتحوّل إلى عامل تأثير مباشر في تشكيل الإدراك العام، بحسب ما أفاد به المختصّون في شركة زيروجرافيتي.
السيادة المعرفية، سؤال يتجاوز الجغرافيا
في ظلّ تمركز تطوير النماذج المتقدمة داخل عدد محدود من الشركات العالمية، يتصاعد الحديث عن “السيادة الخوارزمية”، لكن طارق الحوسني، كبير مهندسي الرؤية ومؤسس مجموعة “زيروجرافيتي” ورئيس مجلس الإدارة، يرى أن النقاش أعمق من مجرد تنافس دولي.
” إنّ النقاش الحالي يركز على من يملك التكنولوجيا، لكن السؤال الأهم اليوم: من يملك الإطار المعرفي الذي تعمل من خلاله هذه التكنولوجيا، فالتحدّي ليس فقط اللحاق بالركب التقني، بل ضمان ألا نستورد منظومات تفكير كاملة دون وعي مدروس”.
ويضيف رئيس مجلس إدارة مجموعة زيروجرافيتي:
“إنّ القوانين التي تركز على حماية البيانات ضرورية، لكنها غير كافية، نحن أمام أنظمة تولّد معرفة وثقافة، ويجب أن ننتقل من حماية المعلومات إلى إدارة التأثير المعرفي”.
سوق العمل: حين تتحوّل الخبرة إلى أصل مستدام
في موازاة التحوّل المعرفي، يُعاد رسم خريطة سوق العمل، ورغم أنّ الذكاء الاصطناعي يَعِد بخلق قطاعات وفرص جديدة، فإنّ استطلاعات رأي عالمية تشير إلى أن نحو 57% من الأفراد يشعرون بالقلق من احتمال تأثر وظائفهم.
غير أن طارق الحوسني يرى أن المسألة لا تتعلق بالوظائف بقدر ما تتعلق بالجدوى:
“إنّ الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الإنسان بقدر ما يعيد تعريف قيمته، ففي المرحلة المقبلة، لن تكون المهارة وحدها هي الأصل، بل القدرة على التكيّف النقدي، حيث ستصبح الخبرة التي تتحوّل إلى فهم عميق وسياقي أصلاً مستداماً، أما المهام القابلة للتكرار فستتآكل قيمتها تدريجيا”.
أما اقتصادياً، فتشير تحليلات إنتاجية حديثة إلى أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع كفاءة بعض القطاعات بنسبة تتراوح بين 20% و40%، خصوصاً في الأعمال المعرفية، لكن هذه الزيادة في الكفاءة تعني في الوقت ذاته ضغطاً حتمياً على الأدوار التقليدية.
لحظة اختبار للوعي الإنساني
إنّ الذكاء الاصطناعي اليوم ليس مجرد تقنية، بل بنية تحتية معرفية واقتصادية تتسارع بوتيرة غير مسبوقة، فعدد المستخدمين وصل للمليارات، ووصلت كذلك الاستثمارات بمئات المليارات من الدولارات، ويمتدّ التأثير من التعليم إلى الإعلام، ومن التصنيع إلى الإدارة العليا، ويبقى السؤال الجوهري مفتوحاً: هل سيبقى الإنسان في موقع المُوجِّه، أم سيتحوّل تدريجياً إلى مُستقبِل للتوجيه؟!
يختتم طارق الحوسني رؤيته مؤكداً:
” إنّ المعركة القادمة ليست بين الإنسان والآلة، بل بين الإنسان ونمط التفكير السهل ومدى اعتماديته عليه، فإذا احتفظنا بقدرتنا على النقد والسؤال والشك، سنقود التقنية ونطوّرها، وإذا فقدنا هذه القدرة المذهلة، فإنّ الآلة هي التي ستقودنا لا محالة”.
وأخيراً في عصر تتكاثر فيه النماذج الذكية، ربما لا يكون التحدّي الأكبر هو بناء خوارزمية أقوى، بل ببناء وعيٍّ أقوى، وفي أسرع وقت ممكن.


