القاهرة – إلياس بسيوني
في تطور تكنولوجي يسلط الضوء على مستقبل التنقل الذكي، يعكف فريق من الباحثين في الجامعة الأمريكية بالقاهرة على معالجة إحدى أعقد الإشكاليات التي تواجه صناعة السيارات ذاتية القيادة: هندسة “القرارات الأخلاقية” للذكاء الاصطناعي وبناء جسور الثقة مع المستخدم البشري.
نجح الفريق التقني متعدد التخصصات، بقيادة الدكتور عمرو الموجي، الأستاذ المشارك بقسم علوم وهندسة الحاسبات، في تحقيق اختراق عملي عبر تشغيل وتوجيه مركبة (عربة جولف) عن بُعد داخل معمل الأنظمة ذاتية القيادة، وذلك بالاعتماد فقط على هاتف ذكي يعمل بنظام “أندرويد” واتصال بالإنترنت. ويُعد المعمل، الذي انطلق عام 2023، مركزاً ابتكارياً رائداً لاختبار تقنيات القيادة الذاتية.

“التعلم المعزز”.. كيف تعمل خوارزميات القيادة؟
في قلب هذا التطور، يبرز المشروع البحثي “أخلاقية، وجديرة بالثقة، وذاتية القيادة: مركبات الغد”. يركز المشروع على استغلال تقنية التعلُم المُعزز (Reinforcement Learning)؛ وهي إحدى أقوى فروع الذكاء الاصطناعي التي تحاكي طرق التعلم البشرية عبر آليات “المكافأة والعقاب”، لتدريب الأنظمة الذكية على اتخاذ قرارات آمنة في بيئات القيادة المعقدة.
وخلال جلسة استضافتها مبادرة “لقاء مع خبير” الإعلامية، بسّط الدكتور الموجي الفكرة التقنية قائلاً: “إذا كانت أجهزة الاستشعار تمثل أعين وآذان أنظمة القيادة الذاتية، فإن الخوارزميات تمثل العقل”. تقوم المستشعرات برسم خريطة بيئية حية، ثم يدمج نظام الذكاء الاصطناعي هذه البيانات مع وجهة المستخدم لاتخاذ قرارات لحظية وحاسمة تتعلق بالتوجيه، والتسارع، والفرملة.
تطوير “صندوق أسود” للمركبات الذكية
لتلبية متطلبات الشفافية التكنولوجية التي يطالب بها المشرعون والمطورون، يعكف الباحثون على ابتكار “صندوق أسود” خاص بالمركبات ذاتية القيادة، مستوحى من أنظمة الطيران.
سيعمل هذا النظام المتطور على توثيق وتحليل الكيفية التي تتخذ بها خوارزميات الذكاء الاصطناعي قراراتها في أجزاء من الثانية، خاصة عند وقوع أخطاء أو عند معالجة بيانات استشعار متناقضة، مما يوفر أداة حيوية لتطوير معايير السلامة التقنية.

الواقع الافتراضي واختبار “الثقة”
إلى جانب تطوير الخوارزميات، يهتم الفريق بدراسة التفاعل بين الإنسان والآلة. ولتحقيق ذلك، تم تطوير بيئات واقع افتراضي (VR) متقدمة تحاكي سيناريوهات قيادة مليئة بالتحديات والمفاجآت. تهدف هذه المحاكاة إلى تحليل كيفية استجابة الركاب وفهم العوامل النفسية التي تؤثر على بناء ثقتهم في الأنظمة الذاتية.
وأشار الموجي إلى أن “غياب الثقة” لا يزال العائق الأكبر أمام تبني هذه التقنيات، مضيفاً: “في كل نقاش حول استقلال مركبة ذاتية القيادة، أجد دائماً من يرفض الفكرة تماماً بسبب هاجس الثقة في الآلة”.
دعم مالي لتسريع الابتكار
تتويجاً لجهوده، نجح المشروع في تأمين تمويل بحثي بقيمة 300 ألف دولار أمريكي في عام 2025 من “شبكة الهندسة والتكنولوجيا الأفريقية” (Afretec)، وهي منصة تقنية تضم تسع جامعات وتهدف إلى تسريع التحول الرقمي.
يخطط الفريق لاستغلال هذا التمويل الاستراتيجي لتوسيع نطاق جمع البيانات وتكثيف التجارب الخوارزمية، استعداداً لمستقبل قريب تصبح فيه تكنولوجيا القيادة الذاتية جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية للمدن الذكية حول العالم.
الذكاء الاصطناعي، السيارات ذاتية القيادة، التعلم المعزز، تكنولوجيا النقل الذكي، ابتكارات تقنية، جلف تك نيوز



