آفاق التعاون الصيني-العربي من منظور ممارسات الحوكمة في الصين

يشكّل عام 2026 عام الانطلاقة لتنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الصين. فمن الدفع المتواصل للتنمية عالية الجودة إلى الانخراط الشامل في دبلوماسية الدول الكبرى، تُظهر الصين، في ظل بيئة داخلية وخارجية معقّدة ومتغيرة، درجة عالية من الثبات الاستراتيجي وتفوّقها المؤسسي، ما يفتح آفاقاً واسعة لتعزيز التعاون الشامل بين الصين والدول العربية، وبناء شراكة استراتيجية مستقبلية متطورة.
تقارب أعمق على مستوى الرؤى والمفاهيم
تعمل الصين على التطبيق الشامل لمبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية، بما يسهم في توجيه النظام الدولي نحو مزيد من العدالة والإنصاف. وعلى مدى سنوات طويلة، عانت الدول العربية من ويلات الحروب والاضطرابات، مع تفاقم عجز الأمن والتنمية والحوكمة، واستمرار النزاعات العرقية والدينية، ما جعل تطلعات شعوب المنطقة إلى السلام والتنمية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وقد طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ المبادرات الأربع المذكورة،
داعياً إلى مفهوم تنموي يقوم على الشمول والمنفعة المتبادلة، ورؤية أمنية قائمة على التعاون والاستدامة، ونظرة حضارية ترتكز على الشمول والتبادل الحضاري، ومفهوم حوكمة يقوم على التشاور الواسع والمساهمة المشتركة وتقاسم المنافع. وتسهم هذه الرؤى في تفكيك المقولة الخاطئة التي تربط الحداثة بالتغريب، وتوفر للدول العربية مسارا جديدا لتحقيق الأمن والتنمية بما يتوافق مع أوضاعها الوطنية، وهو ما لقي ترحيباً حاراً ودعماً واسع النطاق.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الدولي الراهن، تبرز ضرورة التصدي بحزم لممارسات الهيمنة والتسلط والتنمر، والدفاع عن العدالة والإنصاف الدوليين. وهذا يعني أن الصين ستواصل، كما دأبت، على دعم القضايا العادلة للدول العربية، والمضي قدما معها جنبا إلى جنب على طريق الاستقلالية الاستراتيجية، والتضامن، وتعزيز القدرة على الاعتماد على الذات.
تعاون أكثر حيوية في الابتكار العلمي والتكنولوجي
تسعى الصين إلى تسريع تحقيق الاعتماد على الذات في مجال العلوم والتكنولوجيا على مستوى عالٍ، بما يقود إلى تنمية قوى إنتاجية جديدة النوعية. وفي الوقت الراهن، يشهد التعاون الصيني-العربي في مجال الابتكار العلمي والتكنولوجي زخما متصاعدا. فقد بلغت نسبة تغطية شبكة الجيل الخامس التي أنشأتها شركة هواوي في المملكة العربية السعودية نحو 85%، ما أرسى أساساً متيناً لتطبيقات حديثة مثل إدارة شؤون الحج ضمن مشروع مكة الذكية وأنظمة النقل الذكية. كما نجح المركز الصيني-العربي لنقل التكنولوجيا – فرع دبي في تيسير الربط بين 150 مشروعا من مشاريع التكنولوجيا الفائقة،
شملت مجالات متقدمة مثل الطاقة الجديدة والصناعات الدوائية الحيوية. وفي إطار التعاون الثنائي، يقدّم القمر الصناعي الصيني-الجزائري المشترك لرصد الأرض خدمات دقيقة في مجال مراقبة الزراعة والتخطيط البيئي في منطقة شمال أفريقيا. وخلال السنوات الخمس المقبلة، ومع تحقيق الصين اختراقات نوعية في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الفضاء، والمعلومات الرقمية، من المتوقع أن يشهد التعاون الصيني-العربي في الابتكار العلمي والتكنولوجي نمواً هائلا.
تحول أخضر أكثر شمولاً
تحتل صناعة الطاقة الجديدة في الصين موقع الصدارة على مستوى العالم، وستدفع الصين خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة نحو تحول شامل إلى التنمية الخضراء منخفضة الكربون. وتتمتع الدول العربية بموارد غنية من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ما يمنحها مزايا فريدة للتعاون مع الصين في مجال التحول الأخضر.
وقد حقق مشروع أكبر محطة كهروضوئية منفردة قيد الإنشاء في العالم، الذي تنفذه شركة الصين لهندسة الطاقة في السعودية، الربط بالشبكة وبدء توليد الكهرباء. كما تم مؤخرا شحن الدفعة الأولى من توربينات الرياح التي قامت شركات صينية بتصنيعها لمشروع طاقة الرياح في الدقم بسلطنة عُمان. ومع إعلان الصين دعمها لتوسيع نطاق المشروعات الخضراء في الخارج، ستتسع آفاق التعاون بين الجانبين خلال السنوات الخمس المقبلة في مجالات تصنيع مكونات الطاقة الشمسية، والبحث والتطوير في تكنولوجيا الهيدروجين الأخضر، وبناء شبكات كهرباء ذكية. ولن يسهم هذا التعاون في مساعدة الدول العربية على تحسين هيكل الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط فحسب، بل سيقدّم أيضاً إسهاماً ملموساً في جهود الحوكمة العالمية لقضايا المناخ.
انفتاح متبادل على مستوى أعلى
حتى نهاية عام 2024، وقّعت الصين وثائق تعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق مع جميع الدول العربية الاثنتين والعشرين ومع جامعة الدول العربية. ومن الطريق السريع الوطني الذي يمتد من الشرق إلى الغرب في الجزائر، إلى إنشاء عدد من محطات الطاقة الكهروضوئية في مدينة البحر الأحمر الجديدة بالمملكة العربية السعودية، وصولاً إلى المنطقة المركزية للأعمال التي تنهض من الأرض في العاصمة الإدارية الجديدة في مصر، أصبحت المشاريع الكبرى التي تشارك الشركات الصينية في بنائها علامة بارزة على الانخراط النشط للدول العربية في بناء الحزام والطريق.
وفي الوقت ذاته، تبادر كبرى الشركات العربية إلى توسيع حضورها في السوق الصينية. وخلال السنوات الخمس المقبلة، ومع مضيّ الصين قدماً في خفض مستويات الرسوم الجمركية، وتبسيط إجراءات النفاذ إلى السوق، وتعزيز بناء مناطق التجارة الحرة، ستتسع أبواب الجانبين أمام بعضهما البعض على نحو متزايد، كما ستتحرر بصورة أكبر إمكانات التعاون في مجالات تجارة الخدمات، والمدفوعات العابرة للحدود، والتمويل الرقمي وغيرها من القطاعات.
وستستضيف الصين هذا العام الدورة الثانية من القمة الصينية-العربية. وانطلاقا من نقطة تاريخية جديدة، ستعمل الصين على مواءمة استراتيجياتها التنموية مع استراتيجيات الدول العربية، وتحقيق التوافق والتكامل في وتيرة التعاون، بما يضفي مزيداً من عوامل الاستقرار على منطقة الشرق الأوسط، ويخلق فرصاً أوسع للتعاون الصيني-العربي، ويسهم بقوة أكبر في بناء مجتمع مصير مشترك صيني-عربي يواكب متطلبات العصر الجديد.
أقرأ المزيد الصين والسعودية: علاقات أوثق وآفاق أوسع
